الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قصّة وقتلها آلصمت لخولة القزويني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عَهد آلشهدآءْ

avatar

عدد المساهمات : 145
تاريخ التسجيل : 16/05/2011

مُساهمةموضوع: قصّة وقتلها آلصمت لخولة القزويني   الخميس مايو 26, 2011 12:42 am

وَ قَتَلها آلصمتْ

( وقتلها الصمـت )
في أمسية مقمرة ونسائم شهر مارس تهب على الخمائل فتنتعش الروح بعبق الورد الناضح بالندى، التفت نسوة الجيرة حول مائدة عامرة بالأطايب في شرفة جارتهن (بدرية) فثرثرتها المرحة أضفت على المكان أنساً وابتهاجاً ومن خلفها صبية يافعة جاءت تحمل صينية المرطبات وضعتها على المائدة بانكماش وخجل فعيون النسوة علقت بجاذبيتها الفضَّاحة ورحنا يتفرسنها بحسرة وتمني، رددت إحداهن:
(تبارك الرحمن، جمال وأدب وعائلة، عروس يتمناها كل شاب).
اعترضت خالتها بمرارة إذعاناً منها بدرء الأمنيات لأنها تدرك ما تبيت النسوة في ضمائرهن:
(نورا عروس ابني).
هزّت بدرية رأسها في يأس.
إنها ترفض فكرة الزواج برمتها.
وما أن فرت (نورا) بحرجها حتى تابعت خالتها موجهة حديثها إلى أختها بدرية:
(ولكن ابن خالتها أحق الناس بها، ناهيك عن مؤهلاته الجيدة ومركزه المرموق).
في حيرة تعبّر بدرية:
(إنها لا تعطيني سبباً مقنعاً).
نهضت الخالة من مقعدها وشدتها من ذراعها وأدخلتها الحجرة:
(نورا.. هشام يحبك ولا أجد مبرر لرفضك).
بامتعاض:
(أرجوكِ يا خالة اقفلي هذه السيرة).
(لماذا؟)
في ضجر وتململ:
(هكذا، دون سبب).
تركتها خالتها بعد أن أعيتها كل سبل الإقناع بينما مكثت نورا في حجرتها متعالية عن بسط حججها وتبريراتها كالزهرة المتشرنقة بأوراقها حتى التكتم والانغلاق، من يقتحم جدران صمتها وغموضها الآسر ويفك رموز قلبها البكر، غلبت أهلها بسكوت يشمخ كجبل من ثلج وخجل يتورع الآخر أن يخدش غشائه، تتمناها الأفئدة عروساً تتألق كجوهرة في كل بيت لسمو أدبها ورِقة شمائلها ولسانها المنقى عن كل ذنب ودنس، ولكن القدر ألجم رغبتها فنفرت من كل بيت حتى وطئت قدماها دار (غالب مراد) من أصول قروية، الرجل الذي هزّ أوتار قلبها فأخرج لسانها من عقلة الصمت لتجيب نعم إرادة وإصرار، ذهلت الأسرة واستنفرت العائلة معترضة، فلهم فيها مآرب، الأعمام والأخوال هكذا أرادت ولن تبرر أو تفسّر وإرادتها الصلبة حسمت موقفها دون تردد.
دخلت دار الزوجية وردت خلفها الباب للأبد وانطوت في عالمها ملتحمة بزوجها غالب الذي وجد في اقترابه جحيماً آخر، فخلف قناع جَلَده يمكث إنساناًَ قلقاً ومهزوزاً يرتاب من خشخشة ورق الشجر ويحسب أن آدمياً له في زوجه رغبة، أجال النظر في النوافذ منزعجاً:
(الغرفة تطل على الجيران).
ثم حدد نحوها بصراً شرساً واقتحم صمتها في ابتذال وهمّش إحساسها في لحظة الانفتاح الفطري فهي الدميّة الملهاة يقلبها كيفما اقتضت مزاجيته بأنماط سادية وبذوق دموي، تنهمر دموعها مع أحلامها الهاربة ويتركها مرمية كجثة بلا روح على شاطئ مهجور.
يتناولان العشاء، في هدأة مباغتة تمنت أن ترحل إلى داخله الإنسان لكن شراهته في الطعام عطلت منافذ إحساسه.
سألته: (ماذا وجدت فيَّ؟))
همهم وهو يقضم الدجاجة: (تعجبيني).
قوضت انهيارها الداخلي واستحضرت صورته التي دغدغت أنوثتها، هو رجل المواقف، مقداماً، شجاعاً، سخياً، كريماً، لكنه في الخلوة وحشاً ضارياً يفترس رقتها ويهشم قلبها ببذاءة ألفاظه وسوقية كلماته، تضطرب نفسها الرقيقة وتسقط في متاهة بعيدة لا تستطيع أن تخرج منها أبداً.
(الستائر الجديدة قاتمة). في رقة اعترضت.
(لأطمئن عليكِ).
الجار الشاب زعزع ثقته وترك داخله قلقاً مستديماً، وصادف أن خرجت (نورا) لتكنس الفناء لمحها (جاسم) فألقى عليها التحية بتأدب، تجاهلته مرعوبة من جلادها فقد ظن فيها ظن السوء وأدخلها في فصل من الشك والقهر وهي تحلف بأغلظ الأيمان أنها لم تره إلا صدفة.
وفي الليل يتوحش العربيد داخله وتختمر الصورة القاتمة، ماذا قال لكِ جاسم؟ كم من الوقت قضيتما في الحديث؟ هل وقعت عيناه في عينيكِ؟ ماذا....
وصرخت مستغيثة (أرجوك إنها أوهام في رأسك).
صفعها حتى هوت وغامت الرؤيا وانعدم المشهد في الحال ليستأنف أحداثه غداً، إنه خبزها اليومي، تطحنه اللحظات الثقيلة مغمساً بمرارة الوحدة، اعتادت أن تبتلع الغصص في ليل رعبها الممض والمصادفات تشاكسها دوماً وتوقعها في دوامة سحيقة، ونظرات غالب المرتابة تسربلها في كل يوم بثياب من نار تحرقها وتذرها رماداً لا تفتأ تذكر أمامه خبراً حتى قلّبه في ذهنه بتشككك (لا تخرجي بعد اليوم إلا بنقاب، إن العيون الوقحة تذبحني كالسكاكين).
(إنك ترهق نفسك وتعذب ذاتك بهذه الوساوس).
صرخ بغضب:
(المهم ارتدي النقاب ولا تجادليني).
(حاضر.. حاضر).
تعود إلى حجرتها لترتدي الثوب الأحمر الذي طالما فجّر فيه إحساساً بدائياً لا يعبر أعماقها المتكتمة، مازالت تفتقد الطمأنة والسكن، وكل جارحة فيها عطشى إلى الأمان، أدهشها هذا المساء معترضاً أنوثتها الداعية بسخاء، فألقى عليها بصراً فاتراً ثم أطفأ النور مستدبراً وجودها:
(تصبحين على خير).
تغوص صامتة في عالمها النائي والليل الساتر يحجب حقيقتها المقهورة أن تفتضح من الأعماق، لماذا يذكر (جاسم) ويتهمها بالفاحشة، أمّه تبحث له عن عروس، الشاب يحترمها ولم يراودها يوماً أو يستميلها بمبادرة.
شدّت نفساًَ عميقاً وهي تمسد بطنها المتكوم بالحنين، وتقلبت على الفراش متهالكة قد استعصى عليها النوم.
(سأذهب لأزور أمي، علمت أنها متوعكة).
في صباحها الباكر تنفس عن كربها بثرثرة لا طائل منها.
رقع كوب الشاي على المائدة:
(بدأنا بالحيل والأعذار).
(ساعة وأعود لن أتأخر).
(سأسطحبك إليها في المساء).
(لكنك تعود مرهقاً وستؤجل الزيارة كعادتك).
(اقفلي هذه السيرة الآن).
اندفع خارجاً بهبوبه الشتوي تاركاً وراءه بيتاً من صقيع وامرأة ذابلة كزهرة عطشى.
في اغترابها اليومي تجلس طوال النهار كالصنم، يتلاشى حضورها الآدمي وتنعتق الروح، ويأتي خالها الحنون زائراً في المواسم يكتشف داخلها قبراً ينتظر الختام رغم الحياة الصاخبة داخلها ووليدها المرتقب.
(لم تعد لي شهية للطعام يا خال).
(أراكِ شاحبة قد تغير سمتك إلا عينيك الطيبتين نجمتا سلام... لِمَا لا تشتكين، تعبرين، يا ابنتي ما بكِ لستِ على ما يرام، داخلك صرخة مذبوحة، وهمّ مخنوق).
أطلقت زفرة حارة:
(لا شيء يا خال، مجرد وهن طفيف في البدن من أثر الحمل).
نهضت لتعد له الشاي، شدها من ذراعها:
(إذا لم تصارحيني لن أشرب الشاي).
أطلق يدها وأطرق يفكر ثم قال:
(أعرف أن زوجك رجل شديد، صارم، لكنه شهم ويحبك إلى درجة القداسة!).
وتطرف ابتسامة شاحبة:
(بالتأكيد يحبني).
حدّق بعينيها مستعلماً:
(هل هناك أمر لا أعرفه؟)
وبحيلة مفتعلة هربت من فضوله تمسح بطنها وتسأل:
(اقترح لي اسماً مناسباً للولد يا خال).
وبفكاهة ردد: (أحمد، عبدالله، خير الأسماء ما حمد وعبد).
وشاغلته بمهارة عن سرها المدفون وتبدد الوقت ليودعها دون طائل.
وانتظرت غالب مساءاً
(وعدتني، أتذكر؟).
تجهّم وهو يتمدد على الكنبة:
(ألا يمكن تأجيل الزيارة؟).
سخرت وهي تقمع غضباً جامحاً:
(توقعت هذا الرد).
غادرت الصالة منزعجة وأقفلت عليها باب الحجرة لحق بها على الفور وصرخ بها معنفاً:
(بصراحة لا أريد أن تتوطد علاقتك بأمّك، إنها عقرب تنفث سمها في حياتنا، كلما التقيتيها انقلب كيانك وتغيّر مزاجك).
(أهذا كل ما عندك؟)
(أنا زوجك آمر وأنهي ولا أحب النقاش في هذه المسألة).
(ولكنها أمي وأخشى أن يشرخ البعد وصلنا).
(انتهى الأمر، تزورك وقت الولادة فقط أما خروجك من البيت ممنوع).
وفي حمأة انفعاله المتنمر تمتد إليها مخالبه وتغرس في رقتها وحشيته فإذا بجوفها سعار كره ونفور.
يوقظهما طرق الباب في الصباح الباكر، تجمد في مكانه (جاسم!)
(انقطع عنا تيار الكهرباء، جئت أسأل ما إذا كان الأمر خاص ببيتنا أم يعمّ كل المنازل؟).
استعلم جاسم وهو يغوص من شدة الحرج.
(وهل تظن أنه من اللائق أن تطرق الباب على الناس في هذا الوقت؟
صفق الباب في وجهه واستيقظت شياطينه من جديد وطافت في مخيلته الهواجس فقد ارتاب من أمره، التفت وراءه فقد جاءت نوراً تسأل بقلق:
(من الطارق في هذا الوقت المبكر؟)
اهتاجت عواصفه واستثارت أعصابه ورشقها بسهام الاتهام.
(أراكِ متحفزة؟)
هزّت رأسها غير مدركة لمرمى كلامه).
(ماذا يريد جاسم؟).
(وتعرفين أيضاً؟).
(الشاب لا يقصد سوءاً، أرجوك افترض حسن النية).
(جاءك مشتاقاً لم يقدر على بعدك).
سخرت منه وعيناها تقطران مرارة وأسى:
(هكذا تتهم الناس جزافاً).
(كان يسأل ورادار عينيه يتقصى أثرك!).
انفجرت باكية:
(أرجوك كفى، كفى)).
ولدت طفلتها (رغد) فرحة نبتت في هذا البيت الموحش، وكان ليومياتها معنى جميل صبغ بلون مشرق، ويتردد خالها على بيتها يستفقدها قلقاً، هي الحزن الصامت يتفسر معناه على وجه كالبدر، تجتر مرارة خياناته ويستبيح كرامتها زاعماً أنه ناموس الرجولة وفيضان الفحولة ليس من المنطق أن ترهن نفسك لامرأة واحدة، آثارهن الفاضحة افترشت ثيابه كنثار، تبرق سترته السوداء برذاذ لامع وقميصه الأبيض اشتعل إثماً وأسود من آثام خياناته الليلية.
(أنتِ منشغلة بالطفلة).
تنهمر دموعها كشتاء سرمد لا شروق بعده وينعقد لسانها عن البوح حينما يكبر داخلها الألم ضارباً جذوره في منابت روحها، منغمساً في خلايا دمها والمسافة بعيدة عن أحبتها، فقد توحّد بها بذريعة الحب المهيمن، رجولة قروية هتكت رقة الورد فقد استحوذ عليها حتى التملك والاستعباد، وجمالها نقمة قبرَ كل أمنياتها في أن تعيش كالأسوياء.
ويضمحل جسدها الفتان وتذوي نضارتها مع طلوع نزف يتفاوت مع مواعيد دورتها الشهرية، ليس ثمة ألم تجاهلته ضمن أشياء كثيرة مهمة في حياتها، حتى إذا كان العيد التقت أمها وشقيقتها الكبرى وعلى هامش الثرثرة الرتيبة ذكرت ذلك العارض الصحي الذي يعترض طهارتها في الصلاة، لكن أختها استوقفت تسألها بالتفاصيل الدقيقة وكأنها تعرف أسباب هذه الأعراض فسألت زوجها الطبيب لتستوثق من المرض، طلب على الفور إجراء الفحوصات اللازمة فقد تشكك أن الأمر لا يحتمل المماطلة.
اعترض زوجها:
(لا أسمح لرجل أن يكشف على زوجتي).
بيد أن الأسرة تشددت في العلاج وانتزعتها من سلطته.
(السرطان تفشى في رحمها).
وقع الخبر على رؤوسهم كالصاعقة، لقد نهشها المرض واستفحل في جسدها.
في انكسار عبّر زوجها:
(لم تشتكِ من ألم أو تفصح لي عمّا بداخلها).
خرّ باكياً يصرعه الحزن والأسى.
صرخت أمها بالتياع:
(دائماً تصمت، ليتها اشتكت لي).
ثم وجهت حديثها لغالب:
(ألم تعرف طبعها، ينبغي أن تراقب صحتها وتلحظ هزالها).
وأردفت أختها (السرطان خبيث يغزو جسم الإنسان ويفتك به دون ألم).
وفي ذهن شارد كمن صحا من غيبوبة:
(لا أدري... لا أدري ما أقول؟).
وخضعت نورا للإشعاع الذري وتساقط شعرها الحالك كورق الخريف، تركت طفلتها في رعاية أمها لترقد في مشفى خاص لعلاج السرطان، وها هي الأيام تنصرم وقد غدت الشابة اليافعة شبحاً هزيلاً، أجريت لها عملية استئصال الرحم لعلّ في ذلك بقية أمل، لكن الزهور لا تعيش طويلاً فهي أرق ما خلق الله، أخذت في الذبول واستشرى المرض الخبيث إلى كل أعضائها ونهش لحمها وعظامها، المرض الذي تكون مع الهمّ والكبت وتورم من رواسب السنين الكئيبة وترعرع في بيئة كلها شك وخبث فضرب كل خلاياها، وفي ساعة وداعها اغتسلت وتطيبت وافترشت سريرها الأبيض كملاك يعود إلى السماء، نادت طفلتها (دعوني احتضنها وأقبّلها).
طوقتها بذراعيها وطبعت على خدها قبلة أخيرة وهي تطبق جفنيها باسترخاء وغياب ثم سلمت الروح إلى خالقها..
جثى خالها قربها وقبلها باكياً وهو يصرخ..


(قتلك الصمت يا نورا...).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قصّة وقتلها آلصمت لخولة القزويني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
¨°•√♥ منتديات الأصدقاء ♥√•°¨ :: الاصدقاء الأدبي :: حكايا الأصدقاء-
انتقل الى: